القرطبي
188
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وروى عنه ميمون بن مهران قال : إمساك العصا سنة للأنبياء ، وعلامة للمؤمن . وقال الحسن البصري : فيها ست خصال ، سنة للأنبياء ، وزينة الصلحاء ، وسلاح على الأعداء ، وعون للضعفاء ، وغم المنافقين ، وزيادة في الطاعات . ويقال : إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان ، ويخشع منه المنافق والفاجر ، وتكون قبلته إذا صلى ، وقوة إذا أعيا . ولقي الحجاج أعرابيا فقال : من أين أقبلت يا أعرابي ؟ قال : من البادية . قال : وما في يدك ؟ قال : عصاي أركزها لصلاتي ( 1 ) ، وأعدها لعداتي ، وأسوق بها دابتي ، وأقوى بها على سفري ، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي ، وأثب بها النهر ، وتؤمنني من العثر ، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر ، ويدفئني من القر ، وتدني إلي ما بعد مني ، وهي محمل سفرتي ، وعلاقة إداوتي ، أعصي بها عند الضراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتقي بها عقور الكلاب ، وتنوب عن الرمح في الطعان ، وعن السيف عند منازلة الاقران ، ورثتها عن أبي ، وأورثها بعدي ابني ، وأهش بها على غنمي ، ولي فيها مآرب أخرى ، كثيرة لا تحصى . قلت : منافع العصا كثيرة ، ولها مدخل في مواضع من الشريعة : منها أنها تتخذ قبلة في الصحراء ، وقد كان للنبي عليه الصلاة والسلام عنزة ( 2 ) تركز له فيصلي إليها ، وكان إذا خرج يوم العيد أم بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها ، وذلك ثابت في الصحيح . والحربة والعنزة والنيزك والآلة أسماء لمسمى واحد . وكان له محجن وهو عصا معوجة الطرف يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن يقبله ، ثابت في الصحيح أيضا . وفي الموطأ عن السائب بن يزيد أنه قال : أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة ، وكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام ، وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر . وفي الصحيحين : أنه عليه الصلاة والسلام كان له مخصرة ( 3 ) . والاجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئا على سيف أو عصا ، فالعصا مأخوذة من أصل كريم ، ومعدن شريف ، ولا ينكرها إلا جاهل . وقد جمع الله لموسى
--> ( 1 ) في ج : لصلواتي . ( 2 ) العنزة : مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا وفيها سنان مثل سنان الرمح . ( 3 ) المخصرة بالخاء المعجمة والصاد المهملة : ما يختصره الانسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب وقد يتكئ عليه . النهاية .